طاهر سليمان حموده

344

جلال الدين السيوطي ( عصره وحياته وآثاره وجهوده في الدرس اللغوي )

طول النظر والتأمل وهذه الفلسفة تحاول جاهدة تلمس وجوه الحكمة في أوضاع اللغة ، ولذلك فهي لا تفيد الحاجات العملية للناطقين ، وقد كانت سببا في ثورة ابن مضاء القرطبي الذي دعا إلى إسقاط هذه العلل من النحو « 1 » . وقد تطور درس العلل النحوية بعد الزجاجي ، فأسهب ابن جني في الحديث عنها وتبعه ابن الأنباري ، ونجد في كتابه « الانصاف » كثيرا من الأمثلة لهذه العلل الثواني والثوالث التي تعقد درسها شيئا فشيئا ، ونرى بعد ذلك صورة لما آل إليه أمر هذه العلل النحوية التي حاول بعض المتأخرين حصرها في أربع وعشرين علة « 2 » ، وهي علل يقصد منها تعليل الصور النحوية بربطها بأسبابها وحمل بعضها على بعض على نحو ما يصنع الفقهاء « 3 » . ونعود ثانية إلى تفصيل الجهد الذي قام به ابن جني وابن الأنباري ، ثم ننظر في عمل السيوطي . الواقع أن ابن جني بالرغم من ضخامة كتابه الخصائص الذي ذكر في أوله أنه وضعه في أصول النحو فإنه خارج في أكثر أبوابه عن « الأصول » بالمعنى الذي تقرر فيما بعد وقد تناول فيه بعض أدلة النحو فتحدث عن السماع والاجماع والقياس ، وتناول العلل النحوية بحديث مفصل ، بيد أن كثيرا من مباحث الكتاب تخرج عن مباحث علم الأصول وتتناول موضوعات أخرى متصلة باللغة ، بل إن حديث ابن جني عن الموضوعات التي أشرنا إليها لم يكن حديثا مركزا ، وبالرغم من وقوفه على كثير من الحقائق الهامة في الأصول فإن كتابته تعد بداية لمن بعده ، وتأتي أهميته من أنه أول من تناول بالبحث المسهب بعض المسائل التي عرفت في علم أصول النحو معتمدا على أوليات قام بها أبو الحسن الأخفش ومن قبله الخليل وسيبويه ، ويعد وصف السيوطي لعمل ابن جني في الأصول أصدق الأوصاف حيث يذكر أنه « وضعه في هذا المعنى وسماه أصول النحو لكن أكثره خارج عن هذا المعنى ، وليس مرتبا ، وفيه الغث والسمين

--> ( 1 ) ابن مضاء القرطبي : الرد على النحاة ص 151 . ( 2 ) الاقتراح ص 47 ، 48 . ( 3 ) د . سيد خليل : مصر في تاريخ النحو ، مقال بمجلة كلية الآداب مجلد 13 ص 67 .